حسن الأمين
48
مستدركات أعيان الشيعة
وفيات سنة تسع وسبع مائة : فيها ماتت بحلب المعمرة شهدة بنت الصاحب كمال الدين عمر بن العديم العقيلي . ولدت يوم عاشوراء لها حضور وإجازة من جماعة من الشيوخ وكانت تكتب وتحفظ أشياء وتتزهد وتتعبد وذكر الذهبي أنه ممن سمع منها . ( راجع ترجمة عمر بن العديم في الصفحة 377 من المجلد الثامن ) . الدكتور صادق رضا زاده شفق ولد في مدينة تبريز سنة 1314 وتوفي سنة 1391 في طهران ودفن فيها . اتخذ كلمة ( شفق ) لقبا له بعد أن أصدر في صباه ( أي في سن الرابعة عشرة من عمره ) جريدته التي أطلق عليها اسم ( شفق ) في مسقط رأسه تبريز لمدة من الزمن . التحق في تبريز بالمدرسة الابتدائية الأمريكية المسماة ( برورش ) وتخرج منها بعد أن أتقن فيها اللغة الإنجليزية بالإضافة إلى مبادئ العلوم والآداب ، وفي هذه المدرسة توثقت الصلات بينه وبين معلمه الأمريكي الشاب المدعو : ( هوارد سكرويل ) الذي أصبح مترجما له فيما بعد ، وقد أنشا بمساندة معلمه هذا وبعض الأحرار من مواطنيه جمعية في تبريز ولها فروع في سائر أنحاء آذربيجان تدعو إلى إنقاذ الوطن من براثن الحكم الاستبدادي الغاشم عهدئذ في إيران وحيث أنه كان معارضا منذ صباه للسياسة القيصرية الروسية في إيران وكان ينتقد ويهاجم هذه السياسة بعنف وبلا هوادة فقد أخذت السلطات القيصرية تطارده لا سيما بعد أن تغلغلت جيوشها في الأراضي الآذربايجانية عام 1330 هوكان عمره فيها 16 سنة ، مما اضطره إلى الاختفاء لمدة 14 شهرا استطاع بعدها الهرب عبر الحدود الروسية إلى الأراضي القفقازية متنكرا بان أطلق لحيته وتزيى بزي رجل دين ذي عمة سوداء ولم يبق في قفقازية طويلا إذ تركها وسافر إلى إسلامبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية ، وفيها التحق بكلية ( برابرت كالج ) الأمريكية ، وحصل منها على شهادة الليسانس في الفلسفة والآداب وقد مكث في العاصمة العثمانية مدة سبع سنوات كان يقوم خلالها بمهنة التعليم في المدرسة الإيرانية وبعض المدارس الأهلية هناك بالإضافة إلى دراسته العليا ثم عاد إلى إيران التي لم يمكث فيها سوى مدة قصيرة حيث سافر إلى ألمانيا التي بقي فيها ست سنوات درس خلالها الفلسفة في جامعة برلين وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة والآداب كما درس بعض الوقت العلوم الإسلامية في جامعة السوربون بباريس ثم عاد إلى مسقط رأسه تبريز ومنها وفد على طهران وبدأ فيها حياته العملية ونشاطه العلمي والأدبي والسياسي . وفور وصوله إليها عين أستاذا للآداب في دار المعلمين المركزية ثم أستاذا في الكلية الأمريكية بطهران وأستاذ الفلسفة والآداب في كلية الآداب وفي هذه الأثناء نشط قلمه بانتاج بنات أفكاره في التأليف والتصنيف والترجمة ونشر المقالات الممتعة على صفحات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية والفصلية . وفي الدورة الرابعة عشرة من دورات المجلس النيابي انتخب نائبا عن طهران مع قيامه بواجباته التعليمية في بعض كليات جامعة طهران ، كما أنه انتخب عضوا في المجمع اللغوي الإيراني ( فرهنگستان ) منذ بدء تأسيسه وأصبح فيه رئيسا للجنة الجغرافية ولجنة المصطلحات العلمية ، كل ذلك مضافا إلى تمثيله لبلاده في كثير من المؤتمرات والندوات الداخلية والخارجية من سياسية وعلمية واجتماعية وغيرها منها عضويته في الوفد الإيراني لهيئة الأمم المتحدة وعضويته في لجنة حقوق الإنسان التابعة لتلك الهيئة من 1947 إلى 1951 وعضويته في الوفد الذي رأسه قوام السلطنة رئيس الوزراء الإيراني إلى موسكو للبحث مع الزعماء السوفيت في قضية إخلاء محافظة آذربايجان من القوات السوفيتية وإقصاء ( بيشة ورى ) وحكومته منها وانهاء موضوع امتياز النفط الإيراني السوفيتي إلى غيرها من المؤتمرات كما انتخب لبعض الوقت أستاذا في جامعات أمريكا كجامعتي كلمبيا ومشيغان وجامعة مكليل في كندا يدرس فيها تاريخ التمدن الإسلامي . وقد أعيد انتخابه عضوا في مجلس النواب في دورته الخامسة عشرة ، كما انتخب بعد تأسيس مجلس الشيوخ عضوا فيه لعدة دورات منه وكان عضوا فيه حين وافته المنية ، مضافا إلى أنه كان شاغلا لكرسيه كأستاذ ممتاز في جامعة طهران في هذه الأثناء . وكان دوي دوره في الدورة الرابعة عشرة في المجلس النيابي وخاصة في قضية النفط الإيراني وتاميمه عظيما جدا في الأوساط السياسية في داخل إيران وخارجها ، حيث فاجا المجلس باقتراحه الخاص بالغاء اتفاقية النفط التي كانت قد وقعت من قبل قوام السلطنة رئيس وزراء إيران وساد شيكف السفير السوفيتي في طهران بعد أن ألقى خطابا ممتعا بين فيه الأخطار التي تهدد البلاد من جراء إبرام هذه الاتفاقية التي عرضت على المجلس لابرامها ، ذلك الخطاب الذي مهد فيه السبيل لتقديم اقتراحه الذي أقره النواب بأكثرية ساحقة ولم يرفضه سوى نواب حزب توده الشيوعي وهكذا استنكر مجلس النواب تلك الاتفاقية النفطية ورفضها وفي الحقيقة أن اقتراح الدكتور شفق هذا برفض تلك الاتفاقية كان نقطة تحول عظيم في موضوع النفط الإيراني وكان الحجر الأساسي لتأميم النفط في إيران فيما بعد ، وقد خدم باقدامه الجريء هذا ، بلاده وأمته أعظم الخدمات ومن جراء ذلك أطلقت عليه الصحف في حينه لقب ( موفق الدولة ) لنجاحاته وموفقياته في مشاريعه ونظراته وخططه التي كانت ترتكز على المنطق والعقل والإخلاص وقد وقف منذ صباه موقف المدافع عن اللغة الفارسية والمناضل عن تراثها الأدبي والعلمي والتاريخي والمعارض بكل عنف وشدة للمتطرفين من بني جلدته في أمر تبديل الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية على غرار ما فعلته تركية أو تجريد اللغة الفارسية من الكلمات العربية وحتى قبل وفاته ببضعة أشهر ألقى آخر كلمة له عن هذين الموضوعين في مجلس الشيوخ استنكر فيها نظرية المتطرفين في ذلك . كما أنه ألف وكتب في هذين الموضوعين الكثير من الرسائل والمقالات وألقى الوفير من الخطب والمحاضرات عنهما ، وكان يعتبر ما يذهب إليه البعض من الأدباء في السير على لزوم هذا التبديل باسم التجديد خيانة لتراث إيران التاريخي والعلمي والأدبي وللغة الفارسية لغة : الفردوسي ، وحافظ ، والشيرازي . كان على جانب من العلم والفضل والأدب ، وما مؤلفاته الوفيرة ومباحثه القيمة ومقالاته الكثيرة وتحقيقاته الدقيقة وخطبه الممتعة إلا دليل على ما كان عليه من علم وفضل وأدب مما جعله في زمرة العلماء المتجددين والفضلاء البارزين والأدباء المعروفين والمؤرخين الباحثين في بلاده وخارجها ، كل ذلك